top of page

هاريسون بيرجيرون

  • Writer: Heba Hesham
    Heba Hesham
  • Jun 12, 2020
  • 6 min read

Updated: Oct 23, 2022



العام: 2081

حيث تساوى جميع البشر أخيرًا، ليس فقط أمام الله والقانون، بل تساووا بالمعنى الحرفي للكلمة. لا يوجد من هو أذكى، أو أجمل، أو أقوى، أو أسرع. تحققت هذه المساواة بموجب تعديلات الدستور رقم 211، و212، و213، هذا بالإضافة إلى الجهود المتواصلة لوكلاء رئيسة مكافحة الاختلاف بالولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذه المثالية لم تستطع غزو الطبيعة بأكملها؛ فلا يزال الربيع يرفض أن يأتي في شهر (أبريل)، الأمر الذي أثار جنون الجميع. وفي ذات الشهر الرطب أختطف رجال مكافحة الاختلاف (هاريسون) بن (جورج بيرجيرون) و (هيزل بيرجيرون) ذا الأربعة عشر ربيعًا.


كان الأمر مأساويًا، لكنه لم يحتل الكثير من تفكير (جورج) و (هيزل) على أية حال. فذكاء (هيزل) المتوسط جعلها تفكر بالأمورعلى هيئة لمحات قصيرة، بينما كان (جورج) يتمتع بذكاء أعلى من المتوسط بكثير، لهذا أجبره القانون على وضع جهاز تكافؤ صغير داخل أذنه طيلة الوقت. كان هذا الجهاز يتصل بجهاز إرسال حكومي يصدر ضوضاء حادة كل عشرين ثانية تقريبًا ليمنع من هم مثل (جورج) من الاستفادة من ذكائهم بغير وجه حق.


جلس (جورج) و(هيزل) يشاهدان التلفاز. انحدرت دموع (هيزل) على وجنتيها لكنها نسيت سبب حزنها في لحظتها. وعلى شاشة التلفاز تمايلت راقصات الباليه.


انطلق أزيز جهاز (جورج) يفزع أفكاره ففرت كلص يفر بعد سماعه لجهاز الإنذار.

قالت (هيزل):

- رقصتهم الأخيرة كانت رائعة بحق.


همهم (جورج):

- هه؟


أعادت قولها:

- تلك الرقصة رائعة.


وافقها القول. اتجه بتفكيره قليلًا للراقصات. لم يكنّ بهذه الروعة، أي شخص في مكانهن كان سيؤدي ذات الأداء.


كنّ محملات بالأثقال المعدنية وبأكياس مليئة بالطلقات التي تستخدم في قتل الطيور، بينما اختفت وجوههن وراء الأقنعة، فلا يُرى منهن لمحة رشيقة أو وجه جميل. جالت بعقل (جورج) فكرة غامضة أنه لا ينبغي للراقصات أن يخضعن للتكافؤ، لكن لم يلبث أن جاء الأزيز ليطارد تلك الفكرة ويطردها بعيدًا.

أجفل (جورج) وكذلك فعلت أثنتان من الراقصات.


رأته (هيزل)، التي لا تحمل جهاز التكافؤ، فسألته عن كنه الصوت الأخير، فأجابها:

- بدا كصوت شخص يضرب زجاجة لبن بمطرقة حديدية.


قالت بنبرة تحمل بعض الغيرة:

- إنه لمن الممتع سماع كل تلك الأصوات المختلفة كلما أتى عقلك بفكرة.

- همم.


استطردت:

- أتعلم ماذا كنت لأفعل إذا كنت رئيسة مكافحة الاختلاف؟


للعلم، كان التشابه بين (هيزل) وبين رئيسة مكافحة الاختلاف، وهي امرأة تدعى (ديانا موون جلامبرز)، قويًا.

- لو أنني كنت (ديانا موون جلامبرز)، كنت سأشغل الأجراس أيام الآحاد. الأجراس وحسب، كنوع من التكريم للدين.

- الأجراس لن تقطع تفكيري.

- أستطيع جعلها عالية بشدة. أعتقد أنني سأكون رئيسة جيدة.

- جيدة مثل أي شخص أخر.

- أنا أكثر من يعرف معنى كلمة "متوسط".


وافقها (جورج). جال في باله طيف ابنه غير العادي الملقى بالسجن الآن، لكن جاءت تحية من واحد وعشرين طلقة في رأسه لتدفن هذه الفكرة.


قالت (هيزل):

- ياإلهى! هذه المرة أشد من سابقتها! أليس كذلك؟


كانت بالفعل أشد من سابقتها، فقد شحب لون (جورج) وبدأ جسده بالارتجاف، وتجمعت الدموع على طرف عيناه اللتان اصطبغتا باللون الأحمر. انهارت اثنتان من الثمان راقصات على أرضية المسرح وهما تمسكان بجانبي رأسيهما.


تابعت:

- تبدو مرهقًا للغاية. لماذا لا تستلق على الأريكة وتريح حقيبة التكافؤ على الوسادة ياعزيزي. لا بأس أن تفوقني ذكاءً بعض الوقت.


كانت تشير إلى الحقيبة القماشية المملؤة بطلقات الطيور التي تزن مايقرب من 21 كيلوجرامًا المعلقة في عنق (جورج).


تحسس (جورج) الحقيبة بيديه وقال:

- لست منزعجًا منها. لم أعد أشعر بها على الإطلاق، أصبحت جزء مني.


قالت هيزل:

- تبدو منهكًا هذه الأيام. ألا يمكن أن نجد طريقة لثقب هذه الحقيبة من الأسفل ونزع بعض الكرات منها؟ فقط بضعة كرات.


أجابها:

- عامان بالسجن وغرامة قدرها ألفان دولار لكل كرة نخرجها. لن أشترك في تلك الصفقة.

- لو أنك فقط تستطيع أن تنزع بعض تلك الأحمال عندما تغادر العمل وتأتي إلى البيت. أعني، أنه لا يوجد من تنافسه هنا. أنت تجلس بسلام وحسب.

- سيبدأ الأمر بي ثم ستجدين الكل يفعل ذلك وسرعان ما سنعود للعصور المظلمة مجددًا. أتريدين ذلك؟

- كلا بالطبع!


استطرد:

- جيد! عندما يبدأ الناس في خداع القوانين، ماذا سيحدث للمجتمع في رأيك؟


لم يكن (جورج) يطرح سؤالًا إلا إذا كان متأكدًا أن (هيزل) تعرف إجابته.


قالت:

- أعتقد أنه سينهار؟


انطقت سرينة إنذار في رأس (جورج) فسألها وهو يحدق بها:

- ما الذي سينهار؟


قالت بتردد:

- المجتمع؟ أليس هذا ماتقصده؟


قال:

- من يدري.


انقطع البرنامج التلفزيوني فجأة من أجل النشرة. لم يكن موضوع النشرة واضحًا في البداية، حيث وقف المذيع صامتًا بجدية، كعادة جميع المذيعين، ثم قال بلهجة شديدة الانفعال:

- سيداتي سادتي..


استسلم المذيع بالأخير وأعطى النشرة إلى إحدى الراقصات لتقرأها، فقالت (هيزل):

- لابأس، لقد حاول. إنه لأمر جلل وهو حاول بأقصى ما حباه الله من قدرات. لابد أن يمنحوه مكافأة تكريمًا لجهوده.


شرعت الراقصة في القراءة:

- سيداتي سادتي،


لابد أن جمالها كان أخاذًا لأن القناع الذي ترتديه كان بشعًا. وكان من السهل ملاحظة أنها أجمل الراقصات وأكثرهن رشاقة لأن حقيبة التكافؤ التي ترتديها بحجم التي يرتديها رجل يزن مائة كيلو جرامًا.

اعتذرت مرة عن صوتها، الذي كان من غير العادل أن تملكه امرأة، فقد كان صوتًا دافئًا ونورانيًا كلحن خالد.


- عذرًا.


اعتذرت مجددًا، ثم استطردت جاعلة صوتها يبدو كصوت غراب أجشّ:

- علمنا أن (هاريسون بيرجيرون) ذو الأربعة عشر عامًا قد هرب من السجن اليوم. كان محتجزًا بسبب الاشتباه في أنه يخطط للانقلاب على الحكومة. إنه عبقريًا ورياضيًا، وهو مطلوب بأمر قوات مكافحة الاختلاف ويعتبر شديد الخطورة.


ظهرت صورة مقلوبة لـ(هاريسون بيرجيرون) على الشاشة. أخذت الصورة تنقلب حتى أخذت وضعها الصحيح. كانت الصورة تظهر طول (هاريسون) بالكامل، فلقد كانت الخلفية تحمل مقياسًا للطول بالقدم والإنش. كان طوله سبعة أقدام بالتحديد (2 متر). أما ما تبقى من جسده فقد كان مغطى بأثقال لم يحملها أحد من قبل. كان اختلافه يتطور بسرعة عجز رجال مكافخة الاختلاف عن مجاراتها، فترتب على هذا أن تحمل أذنه زوجًا عملاقًا من السماعات بدلًا من جهاز التكافؤ الصغير، وعوينات بعدسات سميكة مموجة لاتقتصر مهمتها على جعله نصف أعمى فحسب، بل أن تصيبه أيضًا بصداع رهيب.


كان جسده مغطى بالخردة المعدنية. عادة ما يتناسق شكل أثقال التكافؤ حتى مع الأشخاص شديدي الاختلاف، لكن (هاريسون) بدا كساحة للخردة. كان مطلوب من (هاريسون) أن يتحمل أعباء الحياة وهو يحمل 136 كيلو جرامًا من الأثقال.


ولتشويه وسامته قرر رجال مكافحة الاختلاف أن يجبروه على تغطية أنفه بكرة مطاطية حمراء، وحلاقة حاجبيه. أما بالنسبة لأسنانه البيضاء المتساوية، فقد أحاطوها بأغلفة سوداء ناتئة.


قالت الراقصة:

- إذا رأيتم هذا الولد لا تحاولوا، أكرر، لا تحاولوا المناقشة معه.


تخلل المكان صوت صرير باب ينتزع من مفصلاته.


ضجّ التلفاز بصرخات الذعر والفزع. ظهرت صورة (هاريسون) مجددًا ومجددًا على الشاشة وكأنها ترقص على اهتزازات زلزال.


استطاع (جورج) فهم كنه هذا الزلزال، حيث زلزلت هذه الاهتزازات منزله من قبل. قال (جورج):

- ياإلهي! لابد أنه (هاريسون).


بدد اكتشافه صوت تصادم سيارات اخترق عقله على الفور.


فتح (جورج) عيناه مجددًا ليجد أن صورة (هاريسون) قد اختفت وحل مكانها (هاريسون) بشحمه ولحمه ليملأ الشاشة.


وقف (هاريسون) كمهرج عملاق تجلجل الأثقال التي يحملها جسده. كان مقبض الباب الذي انتزعه لتوه لايزال في يده. جثى أمامه الراقصات، والتقينيون، والموسيقيون، والمذيعون متوقعين الموت.


صرخ (هاريسون):

- أنا الإمبراطور! هل تسمعونني؟ أنا الأمبراطور! لابد أن تنفذوا أوامري بالحرف الواحد!


ضرب بقدمه فاهتز المسرح وتابع صارخًا:

- حتى وأنا أقف هنا مكبل، وأعرج، وسقيم لازلت حاكم أعظم من أي شخص على وجه الأرض! والآن، انظروا إليّ وأنا استعيد قوتي!


مزّق (هاريسون) أحزمة بذلة التكافؤ التي يرتديها كمناديل مبللة، تلك الأحزمة التي كانت تحمل أكثر من ألفي كيلو جرام من الأثقال.


تساقطت الخردة التي حملها جسد (هاريسون) على الأرض.


ضغط بإبهامه تحت حاجز القفل الذي يثبت أثقال رأسه فانفتح القفل وسقطت الأثقال، ثم ضرب الحائط بسماعات أذنيه ونظاراته العملاقة.


ألقى بالكرة المطاطية التي تحيط أنفه ليكشف عن وجه رجل كان ليخيف (ثور)، إله الرعد ذاته.


قال وهو يتطلع لحشود البشر:

- والآن حان وقت اختيار إمبراطورتي! ترى من لديها الجرأة لتنهض وتختار شريكها وعرشها.

مرت دقيقة قبل أن تنهض إحدى الراقصات متمايلة كفرع صفصاف. نزع (هاريسون) عن أذنها جهاز التكافؤ، وأزال أثقال جسدها بنعومة أخّاذة. وبالأخير، رفع عن وجهها القناع ليظهر وجهًا ليس لجماله مثيل.


تناول (هاريسون) يدها وقال:

- والآن، لنريهم المعنى الحقيقي لكلمة "رقص".


وقال آمرًا:

- موسيقى!


هرع الموسيقيون إلى كراسيهم ونزع ( هاريسون) عنهم أجهزة التكافؤ قائلًا:

- اعزفوا أفضل مالديكم وسوف أجعلكم بارونات، ودوقات، وإيرلات.


في البداية كانت الموسيقى رديئة، وسخيف،ة ومزيفة، لكن (هاريسون) انتشل اثنان من الفرقة الموسيقية ولوّح بهم كالعصي مدندنًا الموسيقى التي يريدها، ثم ألقى بهم على كراسيهم مجددًا.


بدأت الموسيقى ولكن هذه المرة بشكل أفضل.


تأمل (هاريسون) وإمبراطورته الموسيقى بتمعن حتى اتصلت دقات قلبيهما بأنغامها. شرعا في الرقص وقد حملت أصابع أقدامهم وزن جسديهما.


أحاط كفيه العملاقان بخصر الفتاة الرقيق لتشعر بقدميها ترتفعان عن الأرض، وفي غمرة سعادتهما وبهجتهما وجدا نفسيهما يحلقان في الهواء! وكأنهما لم يكتفيا من تحطيم قوانين الأرض فحسب، بل حطما أيضًا قوانين الجاذبية والحركة.


تمايلا، وترنحا، ودارا، وقفزا، ووثبا، كغزال يرقص على القمر.


كل قفزة كانت تجعلهما أقرب إلى سقف المسرح الذي يبعد عن الأرض بثلاثين مترًا.


كأنهما يطمحان لتقبيل سقف المسرح. ولقد تحقق طموحهما، فقد بقيا معلقين بالقرب من السقف وكأن الحب والإرادة الحرة قد أبطلا مفعول الجاذبية، ثم تبادلا قبلة طويلة للغاية.


حينها فقط اقتحمت المسرح رئيسة مكافحة الاختلاف (ديانا موون جلامبرز) ويدها تحمل بندقية ذات ماسورة مزدوجة لتتطلق منها مرتين فتصيب الإمبراطور والإمبراطورة فيفارقا الحياة قبل أن يلمسا الأرض.


وضعت المزيد من الرصاص ببندقيتها ووجهتها إلى الموسيقيين وهي تخبرهم أن أمامهم عشر ثوانٍ ليضعوا أجهزة التكافؤ مجددًا.


احترق قلب جهاز التلفاز في منزل عائلة (بيرجيرون) عند هذا المشهد، فالتفتت (هيزل) لتقول تعليقًا على انطفاءه، لكنها لم تجد (جورج) فقد ذهب ليحضر زجاجة جعة من المطبخ.


جاء من المطبخ وهو يحمل زجاجة الجعة، لكن أوقفته اهتزازة من جهاز التكافؤ، ثم ذهب ليجلس مجددًا. قال لـ(هيزل):

- لقد كنتِ تبكين.


- أجل.


- لماذا.


- نسيت.. حدث شيئًا مؤثرًا للغاية على التلفاز.


- ما هو؟


- كل شئ يبدو ضبابيًا في عقلي.


- أنسي الأشياء الحزينة.


- سأفعل.


- هذه هي فتاتي.


ارتعش (جورج) بسبب صوت بندقية اخترق رأسه. فقالت له (هيزل):


- ياإلهى! هذه المرة أشد من سابقتها!


سألها:


- ماذا قلتِ؟


- ياإلهى! هذه المرة أشد من سابقتها! أليس كذلك؟


Original Text: Vonnegut, K. (1961). Harrison Bergeron. New York: Mercury Press.



Painting: Marionette (2016) by Alexis Kadonsky

 
 
 

Comments


©2020 by Into Arabic. Proudly created with Wix.com

bottom of page