الورقة الأخيرة
- Heba Hesham

- Feb 21, 2020
- 6 min read
Updated: Oct 23, 2022

في جزء صغير يقع في مدينة غرب (واشنطن سكوير) جُن جنون الشوارع؛ فتفرعت إلى عدة اتجاهات، و تفكك كل اتجاه إلى قطع صغيرة تسمى "الأماكن". يدور أحد الشوارع حول نفسه مرتين، فأتى أحد الرسامين بنظرية عظيمة حول هذا الشارع: لنفترض أن رسامًا ابتاع أدوات رسم ولم يدفع ثمنها. ولنفترض أن جيبه خاوِ على عروشة. ثم لنفترض أن أحدهم قد جاء ليأخد منه المال، فسيجد أحدهم هذا نفسه يعود إلى نقطة البداية دون الحصول على قرش واحد. يطلق على هذا الجزء من المدينة قرية (جرين ويتش)؛ قرية عتيقة تهافت عليها الرسامون، حيث وجدوا بها غرف بإضاءة جيدة و سعر زهيد تروق لهم.
عاشت (سو) و(جوهانسي) في تلك القرية على قمة منزل مكون من ثلاثة طوابق. إحداهما جاءت من (ماين)، يينما الأخرى كانت من (كاليفورنيا). تقابلتا في مطعم بشارع (ايتدث) واكتشفتا حينها أنهما تشتركان في حب نفس نوع الفن، والطعام، والملابس، فقررتا أن تعيشان و تعملان معًا.
كان هذا في الربيع.
وبحلول الشتاء، ظهرغريب بارد في قرية (جرين ويتش). لم يستطع أحد رؤيته؛ فقط شعروا بأصابعه الباردة وهي تلمسهم. هذا الغريب كان مرضًا خبيثًا أطلق عليه الأطباء "الإلتهاب الرئوي". انطلق يحصد العديد من الناس عند عبوره بالجانب الشرقي للمدينة؛ لكنه هدّأ من سرعته عند مروره بالشوارع الضيقة في قرية (جرين ويتش).
لم يكن الإلتهاب الرئوي ضيفًا مهذبًا، فالضيف المهذب لن يفكر في إيذاء سيدة ضعيفة، صغيرة من (كاليفورنيا)، ولكن أصابعه الباردة وجدت طريقها لـ(جوهانسي)، فرقدت في فراشها بلا حراك، رغم أن عيناها أنطلقتا تتأملان حائط المنزل المجاور من النافذة.
في إحدى الصباحات، وقف الطبيب ضيق الوقت يتحدث إلى (سو) في الرواق، كي لا تسمعهما (جوهانسي)، وقال:
- فرصتها بالنجاة ضئيلة للغاية. لن تحصل على فرصة إلا إذا ارادت أن تعيش، فأنا لا استطيع مساعدة من لايريد أن يحيا. صديقتك الصغيرة قررت أنها لن تشفى، هل يوجد ما يقلقها؟
أجابته (سو):
- لطالما أردات أن تذهب إلى (إيطاليا) لترسم لوحات لخليج (نابولي).
- ترسم! لا أعتقد ذلك. هل هناك ما يستحق أن تقلق من أجله؟ رجل مثلًا؟
استنكرت (سو):
- رجل؟ وهل يستحق رجل أن...كلا أيها الطبيب، لا يوجد رجل.
قال الطبيب:
- إذًا فهذا ضعف. سأبذل مابوسعي، لكن عندما يبدأ المريض في الإيمان بأنه سيموت، يفقد نصف عملى قيمته. حدثيها عن ملابس الشتاء الجديدة، ففرصتها ستتحسن عندما يزيد اهتمامها بالمستقبل.
اتجهت (سو) بعد انصراف الطبيب إلى حجرة العمل لتبكي، ثم ذهبت إلى حجرة (جوهانسي) حاملة بعض ادوات الرسم خاصتها، وشرعت في الدندنة. كانت (جوهانسي) الهزيلة، الهادئة ترقد في غرفتها، وقد أدارت وجهها نحو النافذة، فتوقفت (سو) عن الغناء ظنًا منها أنها نائمة.
ما إن بدأت في العمل حتى تسلل إلى مسامعها صوت خافت يتردد مرارًا وتكرارًا، فهرعت إلى جانب السرير، لتجد (جوهانسي) تطلع خلال النافذة بعينان متسعتان و هي تحصي شيئًا ما تنازليًا.
فرددت "اثنتا عشرة"، وبعدها بوهلة "إحدا عشر"، ثم تلتها بـ "عشرة"، ثم "تسعة"، ثم "ثمانية"، ثم "سبعة".
حدقت (سو) خارج النافذة باحثة عما يمكن أن يُعد. لم يكُ هناك سوى الجدار الجانبي للمنزل المجاور القريب. خلا الجدار من النوافذ، فقط استقرت عليه شجرة عتيقة للغاية، أطاحت رياح الشتاء بأوراقها، فسقطت من على فروعها الداكنة.
سألتها:
- ما الأمر ياعزيزتي؟
فأجابت (جوهانسي) بصوت خافت:
- ستة...أنهم يتسارعون في الوقوع؛ قبل ثلاثة أيام كان هناك مايقرب من المئة. كان عدهم يرهق عقلي، أما الآن فالأمر يسير. ها قد سقطت واحدة أخرى؛ أصبح عددهم خمسة فقط.
- ماهم ياعزيزتي؟ أخبري عزيزتك (سو).
- الأوراق على الشجرة. عندما ترحل أخر ورقة، سأرحل أنا أيضًا. عرفت هذا منذ ثلاثة أيام. ألم يخبرك الطبيب؟
قالت (سو):
- ياإلهي، بالطبع لا. لا يوجد أي منطق في هذه الكلمات. لماذا قد تتعلق حياتك أو صحتك بشجرة عتيقة؟ أعلم أنك كنت تحبين هذه الشجرة بشدة، لكن لا تكوني حمقاء. تحدث إليّ الطبيب هذا الصباح بشأن فرصتك في الشفاء، وقال أن فرصتك ممتازة! أما الآن، فحاولي أن تأكلي شيئًا وأنا سأذهب لأعمل قليلًا، ثم أبيع لوحتي لأشتري لكي المزيد من الطعام لتصبحي قوية.
قالت (جوهانسي)، التي لازالت تنظر خلال النافذة:
- لست مضطرة لشراء أي شئ من أجلي...هاقد سقطت واحدة أخرى، وأصبحوا أربعة. لا أريد أن آكل شيئًا، فقط أريد أن أشاهد أخر ورقة ترحل قبل حلول المساء، وأرحل معها.
قالت (سو):
- عزيزتي (جوهانسي)، هل يمكن أن تعديني أنكِ ستبقين عينيكي مغلقتين ولن تنظري خلال النافذة حتى أنتهي من العمل؟ أحتاج إلى الضوء لكي أنتهي من تلك اللوحة قبل حلول الغد، لهذا لن أستطع أن أغلق النافذة.
سألتها ببرود:
- ألا يمكنك العمل في الغرفة الأخرى؟
فأجابت (سو):
- أُفضل أن أبقى هنا إلى جوارك. كما أنني لا أريدك أن تتطلعي على هذه الأوراق.
أغلقت (جوهانسي) عينيها واستلقت بشحوبها وبرودها، ثم قالت:
- أخبريني فور انتهائك؛ أريد أن أشهد سقوط الورقة الأخيرة. لقد سئمت الانتظار و التفكير، أريد أغادر، أغادر مثل تلك الورقات.
قالت (سو):
- حاولي أن تنامي. لابد أن أذهب لآتي بـ(بيهرمان)، فإني أريد أن تحتوي اللوحة على رجل، وأرغب أن يشبه هذا الرجل (بيهرمان). لن يستغرق الأمر وقتًا. فقط لاتتحركي حتى أعود.
كان (بيهرمان) العجوز رسامًا يقطن في الطابق الأول لمنزلهم. رغم سنواته الستين، إلا أنه لم يحقق نجاحًا كرسام. أستمر بالرسم لأربعين عامًا دون إنتاج لوحة جيدة. دائمًا ما كان يتحدث عن رسم لوحة عظيمة، أو تحفة فنية، لكنه لم يبدأ قط.
ساعده جعل الأخرين يرسمونه في كسب بعض المال. كان يفرط في الشراب وفي الحديث عن تحفته الفنية، ويعتبر مساعدة (سو) و(جوهانسي) بكل ما أوتي من قوة مسؤوليته الخاصة.
وجدته (سو) في غرفته المظلمة، و أنبأتها الرائحة أنه كان يشرب. أخبرته بشأن (جوهانسي) وأوراق الشجرة، وباحت له بمخاوفها أن ترحل (جوهانسي) كما ترحل تلك الأوراق، فتمسكها بالعالم يتراجع أكثر فأكثر.
صاح (بيهرمان) العجوز بغضب عند سماعه ذلك الخبر:
- ماذا؟! هل هناك من هو بهذه الحماقة؟ لماذا قد يموت أحدًا بسبب سقوط أوراق شجرة؟ لم أسمع بهذا الأمر من قبل قط. كلا، لن آتي لأجلس مكتوف اليدين بينما ترسمينني. كيف سمحت لـ(جوهانسي) المسكينة أن تفكر بمثل هذا الأمر؟
قالت (سو):
- إنها مريضة و ضعيفة للغاية. المرض هو من ألقى بهذه الأفكار إلى عقلها. إذا لم ترِد أن تأتي يا سيد (بيهرمان) فهذا شأنك، ولكن لن يكون هذا لطف منك.
صاح (بيهرمان):
- ياللنساء! من قال أنني لن آتي؟ أذهبي و سآتي معك، هذا ما أحاول قوله منذ نصف ساعة. يإلهي! هذا المكان لايليق بـ(جوهانسي) المريضة. يومًا ما سأرسم تحفتي الفنية و نرحل جميعًا من هنا...أجل! هذا ما سيحدث.
وجدا (جوهانسي) نائمة حين وصلا. غطت (سو) النافذة ثم اتجهت مع (بيهرمان) إلى الغرفة الأخرى حيث تطلعا إلى الشجرة خارج النافذة بخوف، ثم تبادلا نظرة صامتة للحظة، بينما بدأت الأمطار في الهطول حاملة معها بعض الثلوج.
جلس (بيهرمان) وبدأت (سو) في رسمه.
استغرق العمل معظم الليل.
في الصباح، وبعد نوم لم يدم سوى ساعة واحدة، ذهبَت إلى سرير (جوهانسي). كانت عيناها متسعتين تتطلعان إلى النافذة، ثم قالت لـ(سو):
- أريد أن أرى.
أزالت (سو) غطاء النافذة.
رغم الأمطار المتواصلة والرياح العاتية طوال الليل، إلا أنه كان هناك ورقة وحيدة تستند إلى الحائط. كانت أخر ورقة على الشجرة. ظل جانبها الملتصق بالفرع محتفظًا بلونه الأخضر الداكن، بينما أحرفها تزداد اصفرارًا مع الوقت. ظلت متشبثة بالفرع على مسافة عشرين قدمًا من الأرض.
تعجبت (جوهانسي):
- أنها أخر ورقة. لقد ظننتها ستسقط خلال الليل، بل كنت متأكدة. لقد سمعت الرياح. ستسقط اليوم، وسأموت أنا بذات الوقت.
قالت (سو):
- (جوهانسي) الحبيبة، فكري بي إذا لم تريدي أن تفكري بنفسك. ماذا سأفعل بدونك؟
لكن (جوهانسي) لم تبادر بالرد. أكثر الأرواح وحدة هي روح تستعد للذهاب إلى مثواها الأخير، بينما تشهد الخيوط التي تربطها بصداقاتها و بالحياة تتمزق واحدًأ تلو اللأخر.
مر اليوم بطيئًا. كان بإمكانهما رؤية الورقة تتدلى من الفرع، مستندة على الحائط، رغم غزو الظلام؛ وبحلول الليل، بدأت الرياح الشمالية بالهبوب مجددًا، وشرعت الأمطار بالطرق على النافذة.
عندما حل النور في صباح اليوم التالي، طلبت (جوهانسي) مجددًا أن تنظر خلال النافذة، لتجد الورقة لاتزال صامدة.
تطلعت إليها (جوهانسي) لوقت طويل، ثم نادت (سو)، التي استغرقت في طهو شيئًا لها لتأكله.
قالت:
- أنا فتاة سيئة يا(سو)؛ شيئًا ما جعل تلك الورقة تصمد ليوضح لي مدى سوئي. لم يكن من الحكمة أن أنتظر الموت. سأحاول أن آكل الآن؛ لكن، أولًا، أحضري لي مرآة لأشاهد نفسي، بعدها سآتي لأشاهدك تطهين.
قالت بعد انقضاء ساعة:
- أتعلمين يا (سو)، أتمنى أن يتثنى لي يومًا رسم خليج (نابولي)
جاء الطبيب عند الظهيرة. تبعته (سو) إلى الرواق خارج غرفة (جوهانسي) لتحدثه. التقط يد (سو) النحيفة، المرتعشة في يده وقال:
- فرصتها في الشفاء جيدة؛ اعتني بها جيدًا وستصبح بخير. أما الآن فعلي الذهاب لأفحص مريضًا أخر بهذا المنزل. اسمه (بيهرمان)، رسام على ما اعتقد. مصاب بالالتهاب الرئوي أيضًا. لكنه عجوز، ضعيف، ومريض للغاية، لهذا أظن أن فرصه في الشفاء معدومة. لقد نقلناه إلى المستشفى اليوم، وسنحاول تخفيف الأمر عليه قدر الإمكان.
في اليوم التالي قال الطبيب لـ(ٍسو):
- لقد نجت. أنت أنقذتها. كل ماتحتاجه الآن هو الطعام والرعاية.
ذهبت (سو) لتجلس جوار (جوهانسي) في فراشها تلك الظهيرة، ثم أحاطتها بذراعها وقالت:
- لدي ما أود أخبارك أياه؛ لقد توفي السيد (بيهرمان) اليوم في المستشفى بالالتهاب الرئوي. دام مرضه يومان فقط. وجده أحدهم في صباح اليوم الأول في غرفته وقد تمكن منه الألم...كان حذائه مبتلًا وملابسه باردة كالثلج. تسائل الجميع أين كان في ليلة باردة موحشة كهذه.
و وجدوا أيضًا بعض حاجياته التي أصطحبها معه إلى الخارج: مصباح وبعض أدوات الرسم تضمن ألوان؛ لون أخضر، و أخر أصفر، و...
أنظري خارج النافذة ياعزيزتي! تطلعي إلى الورقة الأخيرة على الجدار. ألم تتسائلي كيف لم تستطع الرياح تحريكها؟ ياإلهي! أنها تحفة (بيهرمان) الفنية...لقد رسمها في الليلة التي سقطت فيها الورقة الأخيرة.
Original text: Glennon, William, and O. Henry.The Last Leaf. Dramatic Pub., 1996.
Read Online: https://americanenglish.state.gov/files/ae/resource_files/the-last-leaf.pdf
Painting: The Sick Child (1907) by Edvard Munch



Comments