top of page

السائر الوحيد

  • Writer: Heba Hesham
    Heba Hesham
  • Oct 23, 2022
  • 5 min read




كان الخروج في الصمت الذي تغرق فيه المدينة الساعة الثامنة في ليلة ضبابية بشهر نوفمبر، والمشي على الرصيف الخرساني المتعرج، ثم تخطي الطبقات العشبية لإكمال الطريق، واضعًا يديه في جيوبه مخترقًا الصمت هو جلَ ما يحب السيد "ليونارد ميد". كان يقف في زاوية تتقاطع عندها الطرق ويحدق في الاتجاهات الأربع التي يضيئها القمر محاولًا تحديد أي الطرق يسلك، لكن في الواقع لم يكن هناك فارقًا، فهو وحيدًا في عالم عام 2053م. وحيدًا في كل شيء. حسم أمره أخيرًا، واختار طريقه. تقدم إلى الأمام والهواء البارد يسبقه ليتشكل أمامه كدخان سيجارة.


أحيانًا كان يمشي لساعات وأميال ويعود إلى منزله في منتصف الليل. وفي طريقه كان يرى الأكواخ والبيوت بنوافذها المظلمة، وهو منظر لم يختلف كثيرًا عن المنظر الذي يراه عند سيره عبر المقابر، حيث يلمع أقل طيف من ضوء اليراعات المضيئة خلف الشبابيك. يلمح الأشباح الرمادية خلف جدران الغرف الداخلية حيث كانت الستائر لا تزال مسدلة رغم حلول الليل. وأحيانًا يسمع الهمسات والهمهمات تصدر من الشبابيك التي تركت مفتوحة داخل المباني التي تشبه المقابر.

كان السيد "ليونارد ميد" يتوقف، ويميل رأسه، ويسمع، وينظر، ثم يتابع السير بقدمين لا تثيران أي ضوضاء على الرصيف الوعر. لقد قرر منذ زمن أن يرتدي الأحذية الرياضية عندما يتسكع ليلًا لأن كلاب مجموعات الشرطة المتفرقة ستفسد رحلته بالنباح إذا ارتدى أحذية ذات كعب حاد، وقد تضاء الأضواء وتظهر الوجوه، وينبهر الشارع بأكمله من مرور شخص وحيد، أي هو، في وقت مبكر بأمسية من أمسيات شهر نوفمبر.


في تلك الليلة بالتحديد بدأ رحلته في طريق غربي تجاه البحر الخفي. امتلأ الهواء بالبلورات الثلجية التي تجمد الأنف وتجعل رئتك تتوهج كشجرة عيد الميلاد بالداخل. يمكنك الشعور بالضوء البارد يظهر ويختفي، وجميع الأغصان تمتليء بالثلج الخفي. بعث الصوت الخافت لحذاءه الخفيف وهو يحتك بأوراق الخريف شعورًا من الارتياح في نفسه، ثم أصدر صفيرًا باردًا هادئًا من بين أسنانه. كان يلتقط ورقة من أوراق الأشجار بينما يمر، ويتفحص تعاريجها على ضوء المصابيح النادر بينما يتحرك ورائحتها الترابية لا تفارقه.


- مرحبًا بكم.


همسها لكل منزل على كل جانب يمر به.


- ماذا ستعرض المحطة الرابعة، والسابعة، والتاسعة؟ أين رعاة البقر المندفعون؟ وهل سأجد سلاح الفرسان الأمريكي يهرع إلى التل ليؤدي واجبه؟


كان الطريق صامتًا وطويلًا وفارغًا إلا من ظله الذي يتحرك كظل صقر في منتصف المدينة. إذا أغلق عينيه ووقف متجمدًا بلا حراك كان ليتخيل نفسه يحلق فوق صحراء آريزونا الواسعة الباردة الجافة، وأقرب منزل منه على بعد ألف ميل، ولا يؤنسه سوى مجاري الأنهار الخالية والشوارع.


قال وهو يتطلع إلى ساعة يده:


- كم الساعة الآن؟ الثامنة والنصف مساءً؟ أهوَ الوقت المناسب لحفنة من جرائم القتل المتنوعة؟ لاختبار؟ لعمل مسرحي ساخر؟ لسقوط ممثل هزلي من على المسرح؟

هل كانت تلك همهمة ضحكة داخل منزل لونه أبيض كبياض القمر؟ تردد، لكنه تابع عندما لم يحدث ما يقلق. تعثر في جزء معين غير ممهد بالرصيف. كان الأسمنت يختفي تحت الزهور والعشب. على مدار عشر سنوات من المشي بالليل والنهار لآلاف الأميال لم يقابل شخص أخر يمشي حتى ولو لمرة واحدة.


وصل لتقاطع طرق يتلاقي فيه الطريقان السريعان الأساسيان في المدينة. إنهما الآن غارقان في الصمت، رغم أنهما كانا يعجان بطوابير السيارات، ومحطات الوقود المفتوحة. في الصباح كانت السيارات تتحرك كحشرات عملاقة تتسابق وتناور للحصول على موقع مميز تمامًا كما تفعل خنافس الجعران، وتتبعها الرائحة المميزة التي تطلقها عوادمها وهي تتجه إلى منازلها البعيدة. لكن الآن تبدو تلك الطرق السريعة كمجاري الأنهار التي تيبست بفعل موسم الجفاف وأصبحت مجرد ممرات مليئة بالحجارة تعكس ضوء القمر.


عاد إلى الشارع الجانبي، متجهًا نحو منزله. كان على بعد شارع من وجهته حينما ظهرت سيارة وحيدة فجأة وأشهرت ضوئها الأبيض نحوه بقوة. توقف مشدوهًا تمامًا كفراشة الليل منبهرًا بالضوء ثم تحرك نحوه.


ناداه صوت آلي:


- توقف. توقف مكانك! لا تتحرك!


تسمر مكانه.


- أرفع يداك!


قال:


- لكن..


- أرفع يداك أو سنطلق النيران!


الشرطة بالطبع. لكن ياله من شيء نادر لا يصدق؛ ففي مدينة بها ثلاثة ملايين شخص، كان هناك سيارة شرطة واحدة متبقية، أليس كذلك؟ منذ سنة، وتحديدًا في عام 2052، عام الإنتخابات، أجبرت القوات على تخفيف عددها من ثلاث سيارات إلى واحدة. لقد انحسرت الجريمة، ولم تعد هناك حاجة إلى الشرطة الآن، فقط ما يكفي لجعل تلك السيارة الوحيدة تجوب وتجوب الشوارع الفارغة.


همس صوت سيارة الشرطة الآلي:


- ما اسمك؟


لم يستطع رؤية الرجال بداخل السيارة بسبب الإضاءة الساطعة التي ضربت عيناه، لكنه قال:


- "ليونارد ميد".


- إرفع صوتك!


- "ليونارد ميد!


- ما هو عملك؟


- أعتقد يمكنك اعتباري كاتبًا.


قالت سيارة الشرطة كأنما تحدث نفسها:


- لا عمل.


جعله ضوء السيارة يتسمر في مكانه كعينة من المتحف تمسكها إبرة مثبته بصدرها.


قال السيد "ميد":


- ما تقوله صحيح تقريبًا.


فهو لم يكتب منذ أعوام. لم تعد الكتب والمجلات تباع حاليًا لأن كل شيء أصبح متاحًا الآن بالليل داخل تلك البيوت التي تشبه المقابر، فكر سارحًا بخياله. تضاء المقابر بضوء التلفاز الخافت، ويجلس الناس كالأموات تحبطهم الأضواء الرمادية أو متعددة الألوان وجوههم، لكنها في الحقيقة لا تمسهم.


همس الصوت القادم من الفونوجراف:


- لا يوجد عمل. ما الذي تفعله بالخارج؟


أجابه السيد "ميد":


- أمشي.


- تمشي!


قال ببساطة رغم أنه كان يشعر أن وجهه بدأ في التأثر بالبرد:


- فقط أمشي.


- تمشي، فقط تمشي؟


- نعم ياسيدي.


- أين تمشي، وما السبب؟


- أمشي من أجل الهواء. أمشي لأرى.


- ما عنوانك؟


- جنوب شارع سانت جيمس، المنزل رقم إحدى عشر.


- وألا يوجد هواء بمنزلك؟ تمتلك مكيف هواء أليس كذلك ياأستاذ "ميد"؟


- أجل.


- وتملك شاشة عرض في منزلك لترى فيها ما تشاء؟


- كلا.


ردد الصوت بنبرة مليئة بالاتهام:


- كلا؟ أأنت متزوج ياأستاذ "ميد"؟


- كلا.


قال صوت الشرطي القادم من خلف الضوء الناري:


- غير متزوج؟


كان القمر عاليًا وواضحًا بين النجوم والبيوت كانت رمادية وصامته.


قال "ليونارد ميد" بابتسامة:


- لم يرغب فيَ أحد.


- لا تتحدث طالما لم يطلب منك ذلك!


أنتظر "ليونارد ميد" في الليل البارد.


- تمشي فقط ياسيد "ميد"؟


- نعم.


- لكنك لم توضح السبب.


- لقد وضحت بالفعل.من أجل الهواء ومن أجل الرؤية وفقط لأرى.


- هل تفعل هذا عادة؟


- كل ليلة لسنوات.


استقرت سيارة الشرطة في منتصف الشارع وفوهة مذياعها تصدر همهمات خافتة

ثم تحولت الهمهمات إلى كلمات:


- حسنًا، سيد "ميد".


سأله بأدب:


- أهذا كل شيء؟


أجابه الصوت:


- أجل. هيا.


صدر صوت تنهيدة ثم فرقعة. انفتح باب سيارة الشرطة على أخره وأمره الصوت:


- اركب.


- انتظر قليلًا، أنا لم أفعل أي شيء!


- اركب.


- أنا أعترض!


- من فضلك ياأستاذ "ميد".


سار فجأة كالسكارى. تخطى النافذة الأولى للسيارة وهو يتطلع بداخلها. كما توقع، لا يوجد أحد بالمقعد الأمامي. لا يوجد أحد بالسيارة نهائيًا.


- اركب.


أمسكت يده الباب ودخل إلى الكرسي الخلفي الذي كان عبارة عن زنزانة صغيرة؛ سجن أسود صغير بقضبان. كانت رائحته تشبه الفولاذ المبرشم وتفوح منه رائحة مطهر قوي. رائحة نظيفة وقوية ومعدنية للغاية. لم يوجد بها شيء لطيف.


قال الصوت الحديدي:


- إذا كنت متزوجًا كانت زوجتك لتضمنك، لكن..


- إلي أين تأخذني؟


ترددت السيارة، أو بمعنى أصح أصدرت بعض القرقعات، كأن المعلومات كانت تتساقط منها كالبطاقات أمام مثقاب إلكتروني، ثم قالت:


- إلى إلى "مركز الطب النفسي لأبحاث الميول الرجعية".


دلف إلى السيارة. أُغلق الباب وراؤه مصدرًا صوتًا مكتومًا. تحركت السيارة عبر الطرق المظلمة وضوءها الساطع يسبقها.


مروا بمنزل معين في شارع ما بعد عدة لحظات. مجرد منزل في تلك المدينة التي تمتليء بالمنازل المظلمة، لكن هذا المنزل تحديدًا كانت كل أضواءه الكهربائية مضاءة وساطعة، وتحتل كل نافذة من نوافذه إضاءة صفراء قوية، تلتف بشكل مربع ودافيء وسط الظلمة الباردة.


قال السيد "ليونارد ميد":


- هذا منزلي.


لكنه لم يتلقى إجابة.


تحركت السيارة عبر الشوارع أسفل مجاري الأنهار الجافة وتحركت بعيدًا تاركة الشوارع الفارغة والأرصفة الخاوية. ولم يتبقى من ليلة نوفمبر الباردة سوى الصمت والسكون.


Original Text: Bradbury, R. (1951). The Pedestrian. United States: The Reporter, (Magazine).


Read online: https://www.riversidelocalschools.com/Downloads/pedestrian%20short%20story.pdf


Painting: SOLITUDE. (2009) by Bernon





 
 
 

Comments


©2020 by Into Arabic. Proudly created with Wix.com

bottom of page