top of page

أيفلين

  • Writer: Heba Hesham
    Heba Hesham
  • Feb 20, 2020
  • 6 min read

Updated: Oct 23, 2022


جلست بجوار النافذة تتأمل الليل وهو يغزو الحي و قد استقرت رأسها على الستائرالقطنية الثقيلة وتسللت رائحة الغبار المنبعثة منها إلى أنفها. كانت مرهقة


مر البعض أمام عينيها. ها هو ذا الرجل الذي يقطن في المنزل الأخير بالشارع يمضي في طريقه إلى منزله. قدماه تطقطقان على الأرصفة الإسمنتية تارة، ثم تسحقان الحجارة الصغيرة في الممر المؤدي إلى المنازل الحمراء الفاخرة تارة أخرى. كان هناك حقل يحتل مكان تلك البيوت الفاخرة ذات يوم؛ لطالما لعبوا مع أبناء أهالي الحي في ذلك الحقل كل ليلة. ثم انقضت تلك الليالي عندما جاء رجل من (بلفاست) وابتاع الحقل ليحوله إلى أرضٍ مليئة بالبيوت، لكنها لم تكن بيوت بنية بسيطة كبيوتهم؛ بل كانت بيوتًا فاخرة من القرميد تتوجها أسطح لامعة. شهد هذا الحقل مرح أبناء الحي كل ليلة؛ فكان يجتمع للعب كلٌ من أبناء (ديفاين) و (ووتر) و (دان)، بالإضافة إلى (كيو) الصغير المقعد وبالطبع هي وإخوتها وأخواتها. أما بالنسبة (لإرنست) فلم يشترك في اللعب قط؛ كان ذوعقل يسبق سنه. ثم يأت والدها يطاردهم بعصاه الغليظة ليطردهم خارج الحقل. لكن (كيو) الصغير كان يبقى مترقبًا لينذرهم إذا رأى والدها قادمًا. بالرغم من كل هذا كانوا أكثر سعادة حينها؛ فلم يكن والدها بهذا السوء حينها و كانت أمها حية ترزق. بالطبع كل هذا كان منذ زمن بعيد، فبمجرد نضوجها وإخوتها وأخواتها رحلت أمهم عن الحياة ولحقت بها (تيزي دان)، ثم عاد آل (ووتر) إلى (إنجلترا). التغيير كان سيد الموقف. و الآن ستنال بدورها حظها من التغيير كالجميع و تغادرمنزلها. كم ستشتاق إلى هذا المنزل! دارت بعينيها في أرجاء المنزل تتفحص مقتنياته التي تألفها؛ تلك المقتنيات التي اعتادت نفض الغبار-الذي لم تدرِمن أين يأتي- عنها مرة كل أسبوع لعدة سنوات؛ تلك المقتنيات التي لم تتمنى أن تنفصل عنها يومًا والتي لن تراها ثانية على الأغلب. وعلى الرغم من كل تلك السنوات التي قضتها هنا، بقي اسم الكاهن، الذي تحتل صورته القديمة الحائط إلى جانب اللوحة الملونة للقديسة (مرغاريتا ألاكوك) أعلى آلة الهارمونيم المكسورة، سرًا لم تعرفه. كان صديقًا لوالدها في المدرسة.


-إنه في ميلبورن الآن.


كانت هذه هي الكلمات التي يستخدمها والدها كلما عرض تلك الصورة على ضيف.

هل قرار الرحيل و فراق البيت قرارُ حكيم؟ حاولت أن تزن أبعاد الأمر. في منزلها تضمن المأوى و الطعام، و تمتلك تلك الوجوه التي عرفتها طوال حياتها. بالطبع كانت تعمل جاهدة في منزلها وعملها. تُرى ماذا سيقولون عنها في المتجرعندما يعلمون أنها فرت مع أحدهم؟ ربما سينعتونها بالحمقاء، ثم يعلنون عن حاجاتهم لبديل لها. ستفرح السيدة (جافان)؛ فلطالما تعمدت أن تمارس سلطتها عليها، خاصة عندما يكون هناك متفرجون.


-آنسة (هيل)، ألا ترين هؤلاء السيدات ينتظرن؟


- تنشطي قليلًا يا آنسة (هيل)، رجاءً!


تتذكر تعليقاتها ثم تفكر بأنها لن تذرف الدمع على المتجر بأية حال.


ولكن في منزلها الجديد، في قرية بعيدة غير معروفة، لن يكون الحال هكذا. ستكون متزوجة. نعم، هي (إيفلين) ستكون متزوجة. سيعاملها الناس باحترام، و لن تواجه مصير والدتها. فحتى الآن، وعلى الرغم من سنوات عمرها التي تتجاوز التسعة عشرة، لازالت تشعر بالخطر من بطش والدها. كانت تعلم أن هذا الخوف هو ما يتسبب في حالة خفقان قلبها. لم يضربها قط في صغرهم كما كان يضرب أخوتها (هاري) و (إرنست)، لأنها فتاة بالطبع، و لكن مؤخرًا بات يهددها بما كان سيصيبها منه لولا ذكرى أمها الميتة؛ كلا، لم تملك من يزود عنها، فإرنست قد توفي، و (هاري)، الذي يعمل في تزيين الكنيسة، دائمًا ما يكون بمكان ما بالبلدة. و ضِف على هذا شجار ليلة السبت الدائم بشأن المال الذي أضحى يرهقها بشكل لا يوصف. كانت تشارك بكل دخلها-7 شلنات- ويرسل هاري بدوره كل ما يستطيع أن يوفره، ولكن المشكلة تكمن في إقناع والدها أن يعطيها بعض المال. فدائمًا ما يتهمها بالإسراف و قلة العقل، بعدها يقول أنه لن يعطيها المال الذي يكسبه بشق الأنفس لتلقي به في الشوارع، ثم تتوالى كلماته الجارحة. كان سيئًا بشدة في ليال السبت. في نهاية الشجار، كان يعطيها المال ثم يسألها إذا كان لديها أية نية لابتياع طعام العشاء لليوم التالي. كانت تهرع، بعد كل هذا، محتضنة حقيبتها السوداء الجلدية بين ذراعيها و هي تشق طريقها عبر الزحام بمرفقيها لتنجز مهمتها في التسويق للمنتجات، ثم تعود متأخرة إلى المنزل لتكمل إنجاز باقي الأعباء. ففي المنزل، يتوجب عليها أن تعمل جاهدة للحفاظ على ترتيبه و للتأكد من أن الطفلين، اللذين تتعلق مسؤوليتهما بعنقها، يذهبان إلى المدرسة بانتظام و يتناولان وجباتهما بانتظام. إنه لعمل شاق، أو-بمعنى أدق-حياة شاقة. ولكن الآن، و هي على مشارف الرحيل، لا ترى أن حياتها بهذا السوء.


والآن، ها هي ذا حياة جديدة تنتظرها مع (فرانك). إن (فرانك) ذو قلب طيب و طبيعة رجولية و صدر رحب. ستسير خطتهما بأن تذهب معه على متن قارب ليلي، بعدها تصبح زوجته و تعيش معه في منزله الذي ينتظرها في (بوينس آيرس). تتذكر المرة الأولى التي رأته فيها كأنها البارحة، فهو يقطن بمنزل في الطريق الرئيسة التي اعتادت على المرور بها. يبدوهذا قبل عدة أسابيع عندما وقف أمام البوابة وهو يرتدي قبعة البحارين خاصته إلى الخلف و شعره يتدلى منها على بشرته البرونزية، بعدها شرعا في التعرف على بعضهم البعض. كان يقابلها كل ليلة خارج المتجر ويراها بالمنزل. ذات مرة، اصطحبها إلى عرض موسيقي يدعى "الفتاة البوهيمية"، و كانت في غاية السعادة لجلوسها في مكان جديد بالمسرح معه. يعشق (فرانك) الموسيقى و يشدو أحيانًا بالغناء. بعدها، عَلِم الناس أنهما يتواعدان. كانت مشاعرها تضطرب بسعادة عندما يغني أغنية الصبية التي وقعت في حب بحار. يدعوها (محبوبتي) ممازحًا عادة. في باديء الأمر كانت متحمسة لوجود صديق بقربها، ثم بدأت بالتفكير فيه. دائمًا ما يحمل في جعبته قصصًا من بلدان بعيدة، حيث بدأ حياته بالعمل كصبي على متن أحد سفن خطوط (ألان) البحرية المتجهة إلى (كندا) مقابل جنيه واحد شهريًا. أطلعها على أسماء السفن التي كان على متنها و أسماء الخدمات المختلفة. في الماضي، أبحر في مضيق ماجلان و أخبرها قصصًا عن البنتاجونيين البشعين؛ ثم عن النجاح الكبير الذي حققه في (بوينس آيرس). و الآن قد عاد إلى الوطن في أجازة.

بالطبع عَلِم والدها بشأن علاقتهما و منعها من تبادل أية كلمة معه قائلًا:


-أنا أعرف هؤلاء البحارة الشباب جيدًا.


ذات يوم، تشاجر والدها مع (فرانك) وبعدها أصبحت تقابله خِفية.


غمَر الليل المكان تمامًا حتى تعثر عليها رؤية بياض الخطابين، اللذان يستقران في حِجرها، بوضوح. كتبت خطاب ل(هاري) و الآخر لوالدها. كان (إرنست) هو الأقرب إلى قلبها، لكنها تحب (هاري) أيضًا. مؤخرًا، بدأت تلاحظ تقدم أبيها بالعمر. سوف يفتقدها. أحيانًا، يكون لطيفًا جدًا ، ففي ماضٍ ليس ببعيد، كان يروي لها قصص الرعب، ويعد لها الشطائرعلى النارعندما ترقد مريضة في الفراش. وفي أيام أخرى، عندما كانت والدتها على قيد الحياة، تتذكر أنه كان يرتدي غطاء الرأس الخاص بوالدتها ليجعلهم يضحكون حين يذهبون في نزهة إلى تلال (هاوث).


الوقت يمر و هي لاتزال جالسة إلى جوارالنافذة ورأسها في ذات الوضعية على الستائر، وأنفها تستنشق رائحة الغبار المنبعثة من أنسجته. من مكان بعيد في الحي ينبعث صوت آلة الأورغن، لم يكن ينقصها سوى أن يقررعازفها اختيارهذا اللحن بالذات ليذكرها بالوعد الذي قطعته لوالدتها؛ الوعد بأن تحافظ على المنزل بكل قوتها. استعادت تفاصيل ليلة وفاة أمها؛ كانت ترقد في الغرفة المظلمة بالجانب الآخر من الممر، و بالخارج سمعت ذات اللحن الإيطالي الكئيب، بعدها أمروا العازف أن يذهب بعد أن منحوه ستة بنسات. تتذكر والدها و هو يعود إلى فراش مرض والدتها مغمغمًا:


- هؤلاء الإيطاليون الملعونون! كيف يجرئون على المجيء إلى هنا!


تأملت كيف أثرت حياة أمها البائسة في تكوينها. تلك الحياة التي كانت مجرد سلسلة من التضحيات التي تقوم بها كل امرأة ثم انتهت نهاية مأساوية. ارتجفت عندما تسلل صوت أمها إلى أذنيها و هو يكرر بجنون:


- بعد كل سعادة ألم! بعد كل سعادة ألم!


انتصبت واقفة فجأة في هلع. الهرب! الهرب هو نجاتها! سينقذها (فرانك)؛ سيمنحها الحياة و ربما الحب أيضًا. لكنها تريد أن تحيا. لماذا يجب أن تستسلم للتعاسة؟ لديها كل الحق لتبحث عن سعادتها. سيحيطها فرانك بذراعيه و يضمها. سينقذها!


وقفت بين الحشود المتمايلة بميناء (الجدار الشمالي). يده ممسكة بيدها. تسمعه يقول لها شيئًا عن الممر للمرة الألف. المحطة ممتلئة بالجنود وحقائبهم البنية. استطاعت أن تختلس النظرعبر الأبواب الكبيرة لترى القارب الأسود ذو النوافذ المنارة يستقر إلى جانب رصيف الميناء. لم تنبس ببنت شفة. شعرت بوجنتيها تبهتان و تبردان فشرعت تبتهل إلى الله من شدة الأسى؛ دعته أن ينير بصيرتها لتعلم ما هو واجبها الحقيقي.


أطلق القارب صافرته الحزينة عبر الضباب. إذا قررت الذهاب، ستكون في عرض البحرمع (فرانك) في طريقهم إلى (بوينس آيرس) بحلول الغد، فرحلتهما مجهزة. هل لازال بإمكانها الانسحاب بعد كل ما فعله من أجلها؟ تزايد ضيقها حتى أصاب جسدها الإعياء فانطلقت شفتاها تبتهلتان في صمت بدعاء صادق.


خفقان القلب عاد مجددًا! ضعط يدها قائلًأ:


- هيا!


شعرت بكل أمواج بحار العالم تتلاطم في قلبها، و (فرانك) يسحبها إليها، بل يغرقها فيها. تشبثت كلتا يديها بالسور الحديدي.


- هيا!


كلا! كلا! كلا! هذا مستحيل. ازداد تشبثها بالسوربجنون، ثم أطلقت صرخة ألم تردد صداها في وسط البحر.


- (ايفيلين)! (إيفي)!


هرع متخطيًا الحاجز ليهتف بها لتتبعه. صرخوا به ليمر لكنه استمر في النداء. رفعت إليه وجهًا شاحبًا لا يحمل أي تعبير، تمامًا كحيوان عاجز، وتطلعت إليه بعينين لا تحملان أية لمحة من الحب أو الوداع، كأنهما لم تعرفانه يومًا.



Original Text: Joice, James. “Eviline.” Dubliners, ‎Grant Richards Ltd., London, 1914.



Painting: Awaiting His Return by William Ladd Taylor



 
 
 

Comments


©2020 by Into Arabic. Proudly created with Wix.com

bottom of page