بعد عشرين عامًا
- Heba Hesham

- Apr 21, 2020
- 3 min read
Updated: Oct 23, 2022

تحرك الشرطي عبر الشارع بقوة وثقة، لطالما اتسم بهما. لم يُعر اهتمامًا كبيرًا لشكله. وعلى أية حال، كان الشارع قد بدأ يخلو من المارة اللذين قد يروه، رغم أن الساعة لم تبلغ العاشرة مساءً بعد. كانت ليلة باردة محملة بالرياح والمطر. توقف أمام جميع الأبواب في جولته بالشارع ليتأكد أنها مغلقة أثناء الليل. كان يلتفت من حين لآخر ليجول ببصره في الشارع. كان شرطيًا وسيمًا، ذا عينين كالصقر، يسعى لحفظ السلام. اعتاد الناس في هذه المنطقة أن يذهبوا إلى بيوتهم مبكرًا. قد تجد إضاءة تخص متجرًا أو مطعمًا صغيرًا، لكن أغلب المحال التجارية تغلق أبوابها منذ ساعات.
أبطأ الشرطي قليلًا واتجه نحو رجل يقف بجوار متجر مظلم. ما إن رأى الرجل الشرطي قادمًا نحوه حتى بدأ في التكلم بسرعة قائلًا:
- لا بأس أيها الشرطي، إنني في انتظار صديق لي. لقد اتفقنا على اللقاء هنا منذ عشرين عامًا. أمر غريب، أليس كذلك؟ دعني أفسر لك لتكن واثقًا أن كل شئ على مايرام؛ منذ عشرين عامًا كان هناك مطعم يحتل مكان هذا المتجر أسمه "مطعم بيج جو برادي".
قال الشرطي:
- كان هذا قبل خمس سنوات.
قال الرجل ذو الوجه الباهت حاد القسمات، والعينين المضيئتين، والندبة البيضاء الصغيرة فوق عينه اليمنى، والجوهرة الكبيرة التي تزين رابطة عنقه:
- في مثل هذه الليلة منذ عشرين عامًا، كنت أتناول عشائي مع صديقي المقرب (جيمي ويلز). كان أفضل رفيق في العالم. نشأنا معًا في (نيويورك) مثل الأخوة. كنت في الثامنة عشر من عمري وكان (جيمي) في العشرين. كنت ذاهبًا إلى الغرب في صباح اليوم التالي لأبحث عن وظيفة وابدأ قصة نجاحي. لكن (جيمي) لم يكن ليترك (نيويورك) ولو كان الثمن حياته. كان يعتبرها أخر مكان على وجه الأرض...
"اتفقنا ليلتها على اللقاء هنا بعد عشرين سنة. فعشرون سنة وقت كافي لنعرف أي نوع من الرجال نحن، وما الذي يحمله لنا المستقبل"
عقب الشرطي قائلًا:
- يبدو الأمر شيقًا! إنه لوقت طويل بين اللقائين. هل حدثك صديقك منذ أن ذهبت إلى الغرب؟
قال الرجل:
- نعم. كنا نتراسل لفترة معينة، لكن توقفنا بعد عام أو اثنين. فالغرب كان شاسعًا ولم أكف عن التنقل فيه. تنقلت في كل مكان في وقت قصير. أعلم أن (جيمي) سيقابلني هنا إذا استطاع. فهو من أصدق الرجال ولن ينسى أبدًا. لقد قطعت آلاف الأميال لأقف هنا اليوم، لكن هذا لن يهم إذا جاء صديقي القديم.
أخرج الرجل المنتظِر ساعة قيّمة مغطاة بجواهر صغيرة وقال:
- ثلاث دقائق وتدق أجراس الساعة العاشرة. كنا في تمام العاشرة تلك الليلة حين ودعنا بعضنا البعض أمام باب المطعم.
تساءل الشرطي:
- تمكنت من النجاح في الغرب، أليس كذلك؟
- بالطبع تمكنت! أتمنى أن يكون (جيمي) قد وصل لنصف ما وصلت إليه، فلقد كان كسولًا. لكني كنت أحارب لأنجح. إن (نيويورك) لا تدفع أحدًا للنجاح بشكل كامل، لكن في الغرب يتعلم الرجل كيف يحارب ليحصل على مايريد.
تراجع الشرطي خطوتين وقال:
- سأعود أدراجي. أتمنى أن يصل صديقك بخير. هل ستغادر إذا لم يأتِ بحلول العاشرة؟
- كلا! سأنتظره لنصف ساعة على الأقل. إذا كان (جيمي) حيًا يرزق، فإنه سيأتي في موعده. تصبح على خير أيها الشرطي.
حيَاه الشرطي، ثم ذهب في طريقة ليستكمل تفقد الأبواب. بدأت الأمطار الباردة في الهطول، وأصبحت الرياح أقوى. هرع المارة المتبقون بالشارع طلبًا للدفء. وأمام باب المتجر، وقف الرجل الذي قطع آلاف الأميال ليلتقي بصديقه. كان لقاءً غير أكيد، لكن الرجل انتظر على أية حال.
بعد انتظار دام لمدة عشرون دقيقة، هرول رجل طويل يرتدي معطفًا كبيرًا باتجاه الرجل المنتظِر، ثم سأله بشك:
- أهذا أنت يا(بوب)؟
صاح الرجل:
- أأنت (جيمي ويلز)؟
أمسك الرجل بكفه وقال:
- أنت (بوب)! بالطبع أنت هو. كنت متأكدًا أنني سأجدك هنا، إذا كنت على قيد الحياة. إن عشرين سنة لوقت كبير حقًا. لم يعد المطعم القديم قائمًا. لكم أتمنى أنه كان لايزال هنا، فيتسنى لنا تناول عشاءً أخرًا. هل أحسن إليك الغرب؟
- لقد أعطاني كل ماحلمت به يومًا. لقد تغيرت يا(جيمي). لم أحسبك بهذا الطول.
- أجل، لقد زاد نموي قليلًا بعد سن العشرين.
- هل تبلي بلاءً حسنًا في (نيويورك) يا(جيمي)؟
- نعم، إنني أعمل لحساب المدينة. هيا يا(بوب)، سأصطحبك لمكان أعرفه لنتحدث طويلًا كما فعلنا دائمًا.
سار الرجلان عبر الشارع يدًا بيد. شرع الرجل القادم من الغرب في سرد قصة حياته، بينما استمع إليه الأخر بأذنين مختبئتين خلف معطفه باهتمام.عندما اقتربا من متجر مزين بإضاءة إلكترونية قوية، نظر الرجلان لبعضهما البعض، ثم ابتعد الرجل القادم من الغرب بسرعة وقال:
- أنت لست (جيمي)! إن عشرين عامًا لوقت طويل حقًا لكنه غير كافٍ ليغيرأنف أحدهم!
قال الأخر:
- لكنها قد تجعل من الرجل الجيد رجلًا سيئًا أحيانًا. أنت رهن الاعتقال منذ عشر دقائق يا(بوب). أخبرتنا شرطة (شيكاجو) أنك ستأتي إلى (نيويورك)، فكنا بانتظارك. سيكون قرارًا صائبًا إذا أتيت معي بهدوء. لكن قبل هذا أريد أن أُعطيك شيئًا طلب مني أحدهم أن أعطيك أياه. يمكنك أن تقرأه هنا، إلى جوار النافذة. إنه من شرطي يُدعى (ويلز).
فتح الرجل القادم من الغرب الورقة الصغيرة، وما إن بدأ بالقراءة حتى بدأت يداه في الارتعاش.
(بوب)،
لقد كنت معك منذ بداية موعدنا. لكني رأيت وجه الرجل المطلوب للعدالة في (شيكاجو). لم أستطع أن أعتقلك بنفسي، فطلبت من شرطي أخر أن يُكمل المهمة.
(جيمي)
Original Text: Henry, O. After Twenty Years. Davis Publications, 1984.
Painting: The Time by Giovanni Rapit (2009)



Comments